سيد محمد طنطاوي
133
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة . وقالت طائفة : لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجة عن المصر « 1 » . وقال ابن العربي : والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر ، وإن كان بعضها أفحش من بعض . ولكن اسم الحرابة يتناولها ، ومعنى الحرابة موجود فيها . ولو خرج بعض من في المصر لقتل بالسيف . ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره . فإنه سلب وغيلة ، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان حدا » « 2 » 2 - اختلف الفقهاء في معنى التخيير في قوله - تعالى - * ( أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ) * . فقال قوم من السلف : الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية . فمتى خرج المحاربون بقطع الطريق ، وقدر الإمام عليهم ، فهو مخير بين أن يوقع بهم أي نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة : القتل أو الصلب أو التقطيع أو النفي ، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا ، ما داموا قد اجتمعوا وقصدوا تهديد أمن الناس . فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم ، وعليه أن يوقع بهم ما يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر في الأمة . قال ابن كثير : قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح في قبة الإسلام . وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله ، وكذا قال : سعيد بن المسيب ومجاهد ، وعطاء ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، كما رواه ابن جرير عن أنس - وهو مذهب المالكية . ومستند هذا القول أن ظاهر * ( أَوْ ) * للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن ، كما في قوله - تعالى - في كفارة الفدية : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِه أَذىً مِنْ رَأْسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فأو هنا للتخيير ، وكذلك في الآية التي معنا » « 3 » . وقال قوم آخرون من السلف : الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات . أي : أن * ( أَوْ ) * لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم . فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا ، وإذا أخذوا المال فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 151 . ( 2 ) أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 595 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 51 - بتلخيص يسير -